في البدء، تبحث الناس عن طعامها ثم أمنها ثم تفتش عن صداقات و روابط اجتماعية ثم عن الاحترام و التقدير و في الأخير عن الإنجازات. هرم ماسلو
من درس التسويق أو التسيير أو الاقتصاد فلابد انه سمع بنظرية ماسلو..ترتيب الحاجات حسب الأولويات،مثلا..(أكرر مثلا) لا يمكن في أي مكان في الدنيا -عدا بلادنا- أن تفرح الفقير بإقامة مهرجان غنائي، و لا أن تجعل مواطنا لم يشتري بعد لباس ابنته يفخر بوطنه لمجرد أنك رميت كمية هائلة من القماش تحمل علم البلاد في الصحراء..هرم ماسلو ببساطة يرتب الأولويات..كما الصعود إلى شقتك -إن وجدت- في طابق من عمارة ما -إن بنيت-..درجة ثم درجة ..و كتطبيق بسيط: اعط ذلك الفقير خبزا ثم عملا ثم بيتا و دعه، فسيقاتل عندها دفاعا عن بلده.
لكن بلادنا المغلوبة..المقلوبة، جرت العادة عندها- و يا لكثر العادات- أن تقلب هرم ماسلو..و جميع الأهرام: الثقافة..العلم و الأخلاق..يكفي أن شعبا عربيا يتواجد في أسفل كل لوائح الأمم المتحدة يرشح حاكمه لجائزة نوبل..للسلام.
يوم الخميس الماضي..الحادية عشر ليلا، توقفت سيارتان وسط أهم شارع في العاصمة، خرج صاحباها و أتما معركة الكلام بالأيدي..ثم اخرج أحدهما سكينا و ضرب رأس الآخر، حضرت الشرطة و اعتقلت الجاني و استمعت لأقوال الضحية..
إلى هنا الحكاية عادية..عشرات مثلها تحدث في كل يوم و في كل مكان، لكن حكايتي حدثت في المغرب..لذا لابد لك أن تسأل: هل دخل الجاني إلى السجن؟ اضحك أولا:
اكتشف الشرطي أن الجاني هو ابن وزير الاتصال و الناطق الرسمي للحكومة..ماذا يفعل؟ طبعا، سيطلق سراح الابن.. لكن هل يعتقل الضحية؟ لا..فقد حضر الأب..و اكتفى بأخذ ابنه البار مشكورا..و لم يترك لنا سوى هذا الفيديو للذكرى:
قبل أن تكتب لنا أغنية وطنية أخرى..تتغنى ببلادنا التي صعدت من الوحل إلى الوحل و بقدراتنا العظيمة التي تستطيع أن تصفع الصرصور أينما وجد..و قبل أن تحدثنا عن معاركنا و أمجادنا التي صنعها قدماءنا قبل أن يتشكل الحيوان المنوي التي أتى بجدك..
قبل أن تكتب لنا أغنية وطنية أخرى..توضع في الرف جنب زميلاتها، لا بأس أن تعرف أن أغنيتك التي ستتغنى حتما بأمجاد الحاكم تسمى في كل بلدان الدنيا مدحا إلا في بلادنا فهي “وطنية”.
و حين ستحصي عددها، ستجد أغانينا الوطنية تفوق بمئات المرات، عدد صديقاتها في دول أخرى (ديمقراطية؟)..فمتى سمعت باخر أغنية وطنية فرنسية؟لا..فواحدة إسبانية؟ فهل سمعت واحدة برازيلية؟..مع أن هاته البلدان ربحت أيضا كأس أوروبا و العالم في كرة القدم..ثم -و هو السؤال الذي يؤرقني- ما دخل الوطنية بالكرة..إن فزنا نصبح وطنيين نبكي تأثرا و إن خسرنا نبكي جرحانا؟
في أغنية مغربية شهيرة يقول المطرب: “بلادي يا زين البلدان” و في أخرى: “جنة..جنة يا مغرب يا وطننا”..لو ولد هؤلاء في جمهورية أفريقيا الوسطى-كنا سنرتاح طبعا- لكن هل كان الشعب هناك سيصدق أغنية تقول: جنة جنة يا أفريقيا الوسطى يا وطننا؟
اجمع ماشئت من الناس..ضعهم جنب بعض في صحراء واسعة، و حبذا لو تجمعوا على شكل مستطيل ..فان كان لديك -فضلا- رشاش فصوبه نحوهم..هل سيبتسمون؟ لا يهم..فقط تذكر، حين يحين وقت التقاط الصورة.. أطلق الرصاص.
و قبل أن تفعل، خذ لك غصن شجرة أخضر من الريف، آخر من الأطلس و آخر من الشرق و من الجنوب..اسرق -إن استطعت- آخرا من الشمال..تكونت النجمة الخضراء؟ الآن، ضع الأغصان في الوسط لتشتت انتباه الناس..و أطلق الرصاص بكل حب..مع دم الضحايا و اخضرار الأغصان ستحصل على أكبر علم مغربي في التاريخ.
سألت شخصا مثقفا عن قصيدة كتبها، ربما كان السؤال عن معنى القصيدة..و ربما كان عن صحة عقل من كتب القصيدة..و ربما انتهيت إلى سؤاله : إذا حدث أن قرأ احد شعرك..فما الذي عليه أن يفهمه؟
الجواب كان غائما..طويلا لتنام قليلا و معقدا لدرجة تجعلك تتوقف عن هز رأسك..كان بنفس درجة وضوح القصيدة، في نهايته تكتشف أمرا واحدا: انك لم تفهم شيئا..لأنه أصلا لم يقل جملة مفيدة..و لم يبرهن عن شيء سوى أنه عذب غيره ليكتب لنفسه قصيدة.
كلما حذفني احدهم بقصيدة..و هو الأمر الذي يحدث مرارا على الفايس بوك..أقرأ التعليقات أولا، فأجد أن الكل فهم عبقرية الشاعر..إلا أنا..فلا أتذكر سوى قصة الخياط المحتال و الملك: اللباس الملكي اللذي لا يراه سوى الأذكياء..فلا يجرؤ احد أن يضحك حتى لا يصفه الآخرون بالتخلف..إلى أن يأتي طفل و يقلب المعادلة.